السيد محمدحسين الطباطبائي
32
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم
طبيعية له مع فرض كون الرابطة طبيعيّة محفوظة ، وبعبارة أخرى إنّا لا نعني بالعلّة الطبيعيّة إلّا أن تجتمع عدّة موجودات طبيعية مع نسب وروابط خاصّة فيتكون منها عند ذلك موجود طبيعي جديد حادث متأخر عنها مربوط بها بحيث لو انتقض النظام السابق عليه لم يحدث ولم يتحقّق وجوده . وأمّا القرآن الكريم فإنّه وإن لم يشخّص هذه العلّة الطبيعيّة الأخيرة التي تعلّل جميع الحوادث الماديّة العاديّة والخارقة للعادة ( على ما نحسبه ) بتشخيص اسمه وكيفيّة تأثيره لخروجه عن غرضه العام إلّا أنّه مع ذلك يثبت لكل حادث مادي سببا ماديا بإذن اللّه تعالى ، وبعبارة أخرى يثبت لكل حادث مادي مستند في وجوده إلى اللّه سبحانه ( والكل مستند ) مجرى ماديا وطريقا طبيعيا به يجري فيض الوجود منه تعالى إليه . قال تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً « 1 » ، فإن صدر الآية يحكم بالإطلاق من غير تقييد أنّ كل من اتقى اللّه وتوكّل عليه وإن كانت الأسباب العادية المحسوبة عندنا أسبابا تقضي بخلافه وتحكم بعدمه فإنّ اللّه سبحانه حسبه فيه وهو كائن لا محالة ، كما يدلّ عليه أيضا إطلاق قوله تعالى : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ « 2 » ، وقوله تعالى : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ « 3 » ، وقوله تعالى : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ « 4 » . ثمّ الجملة التالية وهي قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ « 5 » يعلّل إطلاق الصدر ، وفي هذا المعنى قوله : وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 6 » ، وهذه جملة مطلقة غير مقيّدة بشيء البتة ، فللّه سبحانه سبيل إلى كلّ حادث تعلقت به مشيئته وإرادته وإن كانت السبل العادية والطرق المألوفة مقطوعة منتفية هناك .
--> ( 1 ) الطلاق - 3 . ( 2 ) البقرة - 186 . ( 3 ) المؤمن - 60 . ( 4 ) الزمر - 36 . ( 5 ) الطلاق - 3 . ( 6 ) يوسف - 21 .